متطلبات إقامة سوق عربية مشتركة

هذا المقال بقلم محمد محمود الإمام

وزير التخطيط المصرى الأسبق

شعار السوق العربية المشتركة

عقب الحرب العالمية الثانية قرر الأوروبيون التخلى عن الاستعمار المباشر الذى تسبب فى صراع مستمر بينهم على خيرات المستعمرات وأسواقها ، والحرص على ألا يقوم فى أى من دولهم نظام أوتوقراطى يكرر ما فعله هتلر بمحاولته ممارسة الاستعمار عليهم . فقرروا السعى إلى الوحدة ، واتخذوا المجال الاقتصادى مدخلا لها ، مع إعادة بناء الاقتصاد العالمى وفق أسس تكفل منح المستعمرات استقلالا شكلياً ، مع توظيف شبكة العلاقات الاقتصادية الدولية فى إقامة استعمار جديد يسمح بمواصلة حصولهم على مغانم الاستعمار القديم دون تحمل تكاليفه ، يقوم على توطيد أركان عدم التكافؤ وإحلال تبعية اقتصادية تماثل ما طبقته الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربى . فسعوا إلى تحويل أسواقهم إلى سوق مشتركة بدءاً بإقامة اتحاد جمركى ، رحبت به الولايات المتحدة حتى تتعامل معها تجاريا ككيان واحد ، تنساب فيه صادراتها إليها من أى نقطة فيها . وفى نفس الوقت تمكنهم من تعلم كيفية التشارك فى اتخاذ القرارات على المستوى الإقليمى .

وأثار هذا نوعين مختلفين من رد الفعل لدى العرب : الأول : التخوف من أن تؤدى تلك السوق المشتركة إلى تهديد مصالح دولهم ، وإضعاف قدرتهم فى الاقتصاد العالمى ؛ والثانى : تصور أن محاكاة ذلك الأسلوب يفيدهم ليس فقط برفع قدرتهم على التعامل مع هذا التكتل الأوروبى ، بل وفى استعادة وحدتهم التى رسخ فى أذهانهم أن الاستعمار الأوروبى أعاقها ، ثم حرص على تفتيت الوطن العربى إلى دول تتصارع فيما بينها لكى يتيسر له مواصلة السيطرة عليها فى ظل الاستعمار الجديد . واقترن بذلك التصدى لمحاولة الدول الاستعمارية تمزيق الوطن العربى بدفعها هيئة الأمم المتحدة عند بناء منظومتها الإقليمية القائمة على تقسيم العالم جغرافياً ، إلى استبقاء المنظور البريطانى للجزء الجنوبى من العالم القديم الواقع شرقها بتقسيمه إلى ثلاثة أقاليم : أدنى وأوسط وأقصى ، إلى جانب أفريقيا جنوب الصحراء . فحاولت إنشاء لجنة اقتصادية إقليمية للشرق الأوسط بجانب لجان أوروبا والشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية ، تمهد لغرس الكيان الصهيونى فى الجسد العربى ، وإضافة المغرب العربى إلى إقليم أفريقى . وصاحب ذلك تشكيل حلف تابع لها جنوب الاتحاد السوفيتى فى الحرب الباردة معه ، يضم إيران وتركيا والعراق ، فيما أطلق عليه حلف بغداد ، فتصدت له مصر الناصرية التى استصدرت من اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية قرارا فى 1954 بالعمل على إقامة وحدة اقتصادية على مراحل بأقصى سرعة .

وكشفت مفاوضات الوحدة بين الدول العربية المستقلة آنذاك ، عن اختلافات فى الرؤية انطلقت من خلاف سابق بين سوريا ولبنان حول تطوير اتحاد جمركى أقامته فرنسا بينهما عند جلائها عن أراضيهما فى 1943 ، إذ فضلت سوريا تعميق التكامل ليساعدها على تعزيز نموها الاقتصادى ، بينما غلبت لبنان حرية التجارة على المستوى العالمى ، ومال الأردن المعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات الاقتصادية مع جيرانه العرب إلى الرأى السورى ، فى حين رجحت السعودية النظرة اللبنانية خشية أن تتسلط النظم الاقتصادية فى الدول الأكثر تطورا على اقتصادها الضعيف ، وتهدد النظم السياسية لتلك الدول نظامها الحريص على صيانة وحدة أراضيها التى تمت بحد السلاح ، وحفظ المُلك للأسرة المالكة .

وبينما نجح الأوروبيون في إقامة اتحادهم الجمركى فى حوالى عقد من الزمان ، ثم واصلوا السير نحو الاتحاد الاقتصادى ، ورفع عضوية تجمعهم من ست دول إلى 28 دولة ، عجز العرب عن إنجاز وحدتهم الاقتصادية على مدى خمسين عاماً ، بل وعن استكمال تحرير تجارتهم البينية الذى بدأوه فى 1953 وظلوا يرددون التساؤل عن سر فشلهم فيما نجح فيه الأوروبيون ، رغم أن روابطهم الثقافية والاجتماعية أقوى من نظيرتها الأوروبية ، وأن لديهم من التفاوت فى وفرة الموارد ما يعود على الجميع بالخير ، بانتقال المال من دول الوفرة إلى دول العجز مقابل انتقال الأيدى العاملة المتعطلة فى هذه الأخيرة إليها . ولو دققنا علمياً فى مناقشة هذه التساؤلات لوجدنا أن ما تستند إليه هو سبب ذلك الفشل .

إن الأساس فى اتخاذ السوق المشتركة مدخلا لتكامل إقليمى يستهدف الوحدة هو تقارب الدول الأطراف فى مستويات النمو الاقتصادى واتباع حرية السوق ، وفى نظم سياسية تكفل مشاركة جميع فئات المجتمع فى إقرار مراحل التكامل المتعاقبة ، وتماثل آليات رسم السياسات اللازمة لتسيير اقتصادات الدول الأعضاء . فضلا عن امتلاك الدول المؤسسة قدرة على المساعدة فى تأهيل دولاً أخرى تريد الانضمام ؛ وأن تكون قد قطعت شوطاً طويلاً فى التصنيع يكسبها القدرة على إنتاج السلع الرأسمالية اللازمة لإقامة طاقات إنتاجية جديدة نزيد جدواها بإزالة القيود الجمركية فيما بينها . وهو أمر لا يتيسر لدول كل ميزتها امتلاك فوائض مالية تبحث عن فرص استثمار خارج الحدود ولكنها محدودة القدرة على إنتاج معدات استثمارية . ولا تعود أهمية التكامل إلى أنه يزيل العقبات أمام التعامل البينى فتتحول إليه المبادلات مع العالم الخارجى ، دون إحداث توسع ذى شأن فى القدرات الإنتاجية المحلية ، بل فى توسع القواعد الإنتاجية للدول الأعضاء نتيجة خلق فرص جديدة للتعامل معا دون إنقاص حجم تعاملها مع الخارج بل ربما تزيد منه أيضاً . ويعبر عن هذا بمقولة “خلق التجارة لا تحويل التجارة” لأن هذا الخلق يعنى إضافة إنتاج يجعل التكامل رافداً للنمو الاقتصادى .

يذكر أن هذا الوضع لم يكن متاحاً لمجموعة الدول الاشتراكية ليس فقط لأنها لا تعتمد آليات السوق ، بل وأيضاً لأنها كانت تضم دولا متباينة فى مستويات النمو ، وبعضها شديد الاعتماد على الأسواق العالمية . لذا عمدت إلى دعم اقتصاداتها بتبادل المعونات الاقتصادية وفق خطط تضعها دول تدير بذاتها النشاط الاقتصادى . وعندما استطاعت أن تحقق تقارباً مقبولاً لم تتمكن من الانتقال إلى تكامل تديره منظمة إقليمية لأنها كان يجب أن تمتلك سلطات حكومية إقليمية . أما الدول النامية ومنها العربية ، فلم تكن تستطيع تطبيق أياً من المنهجين . وكانت مشكلتها معقدة : فهى حديثة الاستقلال تسعى لبناء جهاز حكومى لم يتأهل بعد لممارسة الوظائف التقليدية : الأمن والعدالة والخدمات العامة والعلاقات الخارجية ، ومن باب أولى الإشراف على الشؤون الاقتصادية إذ لا تتوفر لديها الخبرات ولا الأموال ولا المعرفة الفنية بها . وتأتى نسبة هامة من مواردها العامة من الرسوم الجمركية ، ومن النقد الأجنبى من تصدير منتجات من نوع وبحجم تحدده الدول الاستعمارية ، ومن أبرز نماذجها النفط . فهى تحتاج إلى عون كبير لإنشاء قواعد إنتاجية تعزز قدراتها الذاتية ، ثم العمل على اكتساب قدر مناسب من الاعتماد على النفس لتسيطر على مواردها وقدراتها الاقتصادية ، قبل أن تسعى للاعتماد المتبادل فيما بينها . كما أن الدول التى تقطع شوطا فى التكامل ، لا تملك القدرة على تأهيل الدول التي تنضم بعد استقلالها ، فضلا عن أن بعضها ، كالدول الخليجية تحتاج إلى وقت طويل لبناء اقتصاد متحرر من سيطرة النفط . وهكذا فإنه بينما يساعد التكامل الإقليمى الدول المتقدمة على مواصلة تقدمها ، فإن الدول النامية تحتاج إلى تعاون لتعزيز قدراتها الإنتاجية لتصبح مؤهلة للدخول في تكامل فيما بينها .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *